.
هارون بن يحيى أسيرا في القسطنطينية.
أورد ابن رسته في مطلع القرن العاشر
الميلادي رحلة هارون بن يحيى إلى القسطنطينية الذي اقتيد إليها أسيرا من بلاد
الشام، وحُمل على طريق البحر في المراكب باتجاه العاصمة البيزنطية، فساروا ثلاثة
أيام حتى بلغوا أنطالية، وهي على ساحل البحر، ثم حملوا منها على البريد مسيرة
ثلاثة أيام في الجبال والأودية والمزارع، حتى انتهي بهم الارتحال إلى مدينة يقال
لها نقية(=إزنيك) وهي مدينة عظيمة بها ناس كثير، ثم انتهوا بعد ثلاثة أيام إلى
مدينة يقال لها سنقرة، وهي صغيرة في صحراء ملساء. ويكتفى ابن رسته بهذا القدر
الوجيز من التلخيص الواصف لمرور هارون بن يحيى في الأناضول، ثم ينتقل مباشرة إلى
تضمين رحلته بضمير المتكلّم في ثنايا كتاب "الأعلاق النفيسة". وهي تمثل
ملاحظات شاهد عيان من الدرجة الأولى لمدينة كبيرة أثارت الاهتمام في نفس هارون،
مثلما أثارت الدهشة والعجب.
قال
هارون بن يحيى"..ثم خرجنا مشاة، فمشينا في الصحراء، ويمنتنا ويسرتنا قرى
للروم حتى انتهينا إلى البحر في مقدار يومين، ثم ركبنا البحر فسرنا مقدار يوم حتى
انتهينا إلى مدينة قسطنطينية، وهي مدينة عظيمة اثنا عشر فرسخا في اثني عشر فرسخا.
وفرسخهم على ما ذكر ميل ونصف. ويحيط البحر مما يلي المشرق منها وغربيَّها صحراء
يؤخذ منها إلى الرومية (=مدينة روما) وعليها حصن، والباب الذي يؤخذ منه إلى
الرومية من ذهب وإلى جانبه ناس من خدمه، ويسمى باب الذهب. وعلى الباب تماثيل خمسة
على مثال الفيلة، وتمثال على صورة رجل قائم قد أخذ بزمام تلك الفيلة. ولها باب مما
يلي الجزيرة يقال له باب بيغاس، موضع يتنزّه الملك إليه، وهو باب من حديد. وبقرب
الكنيسة في وسط المدينة بلاط الملك، وهو قصر وإلى جانبه موضع يقال له البذرون(=
يقصد Hippodrome أي ساحة الفروسية، والألعاب العامة، وتعرف
الآن بساحة السلطان أحمد) وهو يشبه الميدان يجتمع فيه البطارقة فيشرف عليهم الملك
من قصره في وسط المدينة، وقد صور في القصر أصنام مفرغة من صفر على مثال الخيل،
والناس، والوحوش، والسباع، وغير ذلك. وعلى غربي الميدان مما يلي باب الذهب بابان
يسوقون إلى هذين البابين ثمانية من الخيل، وهناك عجلتان من ذهب يشدُّ كل عجلة على
أربعة من الخيل، ويركب فوق العجلة رجلان قد البسا ثيابا منسوجة بالذهب، ويتركها
تجري بما نيط إليها من العجل حتى تخرج من تلك الأبواب فتدور على تلك الأصنام ثلاث
دورات فأيُّها سبق صاحبها ألقى إليه من دار الملك طوق من ذهب ورطل ذهب، وكلّ من في
قسطنطينية يشهدون ذلك الميدان ويبصرون.
وعلى قصر الملك سور واحد يحيط بجميع القصر،
ودورانه فرسخ. أحد جنباته مما يلي المغرب متصل بالبحر وله ثلاثة أبواب من حديد
يقال لأحدها باب البيدرون، والآخر باب المنكنا، والثالث باب البحر. وأما باب
البيدرون فتدخل في دهليز مقدار مائة خطوة في عرض خمسين خطوة وعلى الجانبين من
الدهليز أسرّة موضوعة عليها فرش من ديباج ومضربّات ووسائد، وعليها قوم من السودان
متنصّرة بأيديهم أترسة ملّبسة ذهباً، ورماح عليها ذهب. وأما باب المنكنا فتدخل إلى
دهليز طوله مقدار مائتي خطوة في عرض خمسين خطوة مفروش بالرخام وأسرّة موضوعة في
جانبي الدهليز عليها قوم خَزر في أيديهم القسُّى، وفي الدهليز أربعة حبوس: حبس
منها للمسلمين، وحبس لاهل طرسوس، وحبس للعامّة، وحبس لصاحب الشرط. وباب البحر
فانّك تدخل في دهليز طوله ثلثمائة خطوة في عرض خمسين خطوة، وهو مفروش بآجر أحمر.
وفي الدهليز أسرّة يمنة ويسرة عليها فرش متخذة، وعليها قوم أتراك بأيديهم القسُّى
والأترسة، فتمضي في الدهليز حتى تنتهي إلى فضاء مقدار ثلثمائة خطوة ثم تنتهي إلى
الستر المعلّق على الباب الذي يفضي إلى الدار، ويسرة الداخل كنيسة الملك (= يرجّح
أنه يقصد بها آيا صوفيا) ولها عشرة أبواب أربعة منها ذهب وستة فضة، وفي المقصورة
التي يقف عليها الملك موضع أربع أذرع في أربع أذرع مرصّع ذلك الموضع بالُّدّر
والياقوت، وكذلك مسنده الذي يستند إليه مرصّع بالدر والياقوت.
وعلى
باب المذبح أربعة أعمدة من رخام منقورة من قطعة واحدة، وطول المذبح الذي يصلّى
عليه القُسُّ ستة أشبار في عرض ستة أشبار، وهو قطعة خشب عود قمارىّ مرصّع بالدرّ
والياقوت يقف عليه قُسّ الملك وسائر سقوف الكنيسة كلّها آزاج معمولة من الذهب
والفضة. ولهذه الكنيسة أربعة صحون كل صحن منها مائتا خطوة في عرض مائة خطوة، وأما
الصحن الشرقي ففيه جرن محفور من رخام طوله عشر أذرع في عرض مثلها، وقد نصب هذا
الجرن على رأس عمود من رخام ارتفاعه من الأرض أربع أذرع قد عقد عليه قبّة من رصاص،
وأعلى القبّة قبّة من فضة تحمل هذه القبّة اثنا عشر عموداً طول كل عمود أربع أذرع
أحد أعمدتها على رأسه صورة بازى، وعلى الثاني صورة حمل، وعلى الثالث صورة ثور،
وعلى الرابع تمثال ديك، وعلى الخامس تمثال أسد، وعلى السادس تمثال لبوة، وعلى
السابع تمثال ذئب، وعلى الثامن تمثال قبج، وعلى التاسع تمثال طاوس، وعلى العاشر
تمثال فرس، وعلى الحادي عشر تمثال فيل، وعلى الثاني عشر تمثال ملك.
وبالقرب من هذه القبّة في هذا الصحن على
مائتي خطوة صهريج قد أجرى منه الماء إلى تلك التماثيل على رؤوس الأساطين، فإذا كان
يوم عيدهم ملء ذلك الصهريج بمقدار عشرة آلاف دورق نبيذ، وألف دورق عسل أبيض يطرح
على ذلك الشراب، فيطيّب بالسنبل والقرنفل والدارصيني مقدار حمل، ويغطّى ذلك
الصهريج إلاّ شيئا منه بشيء، فإذا خرج الملك إلى خارج ودخل الكنيسة وقع عينه على
تلك الصور وما ينبع من أفواهها وآذانها من ذلك الشراب فيجتمع في الجرن حتى يمتلئ،
فيسقى كلّ من خرج معه من حشمه إلى العيد كل واحد شربة، فإذا رفعت الستر ودخلت
الدار فهو صحن عظيم طوله أربع مائة خطوة في مثلها مفروش بالرخام الأخضر مزوّق
الحيطان بالفسيفساء وألوان التزاويق وعلى اليمنى من داخل الدار بيت مال الملك، وفي
جوفه تمثال فرس قائم عليه فارس قد اتخذت عيناه من ياقوتتين حمراوين، وعلى شمال
الداخل مجلس يكون طوله مائتي خطوة في عرض خمسين خطوة، وفي المجلس مائدة من خلنج
ومائدة من عاج.
وفي
الصدر من المجلس مائدة من ذهب، فإذا انقضى العيد وخرج من الكنيسة جاء الملك إلى
هذا المجلس فقعد في الصدر على مائدة الذهب، وهو يوم الميلاد، ويؤمر فيؤتى بأسارى
المسلمين فيقعدوا على تلك الموائد، وتحمل إليه عند قعوده في الصدر أربع موائد من
ذهب تحـمل كـل مائدة على عجلة. يقال إن إحدى تلك الموائد كانت لسليمان ابن داود
عليه السلام مرصّعة بالدّر والياقوت، والثانية لداود عليه السلام مرصّعة أيضا،
والثالثة مائدة قارون، والرابعة مائدة قسطنطين الملك، فتوضع بين يديه ولا يؤكل
عليها إنما تترك ما دام الملك على مائدته، فإذا قام رفعت ثم يؤتى بالمسلمين وعلى
تلك الموائد من الحارّ والبارد أمر عظيم، ثم ينادى منادى الملك فيقول: وحياة رأس
الملك، ما في هذه الأطعمة شيء من لحم خنزير، وينقل إليهم تلك الأطعمة في صحاف
الذهب والفضة, ثم يؤتى بشيء يقال له الأرقنا، وهو شيء متّخذ من الخشب المربع على
صنعة معصرة، وتغشى تلك المعصرة بأدم وثيق، ثم يجعل فيه ستون أنبوبة من صفر رؤوسها إلى
أنصافها إلى فوق قد غشيت تلك الأنابيب بالذهب فوق الأدم حتى لا يبين منها إلا
اليسير على تقارب أقدارها واحدة أطول من الأخرى.
وإلى
جانب هذا الشيء المربع ثقب يجعل فيه منفخ ككور الحدادين، ويؤتى بثلاثة صلبان فيجعل
اثنان منها في طرفيه وواحد في الوسط، ثم يؤتى برجلين ينفخان في ذلك المنفخ، ويقوم الأستاذ
فيحسب على تلك الأنابيب فيتكلم كل أنبوبة بحالها على حسب ما يحسب عليه من الثناء
على الملك، والقوم كلهم جلوس على الموائد ويدخل عليه عشرون رجلا بأيديهم الحلباقات
والحلباق الصنج يضربون فيها ما داموا يأكلون ويطعمون على هذه الصفة اثني عشر يوما،
فإذا كان آخر هذه الأيام يعطى كل أسير من المسلمين دينارين وثلاثة دراهم، ثم يقوم
الملك ويخرج من باب البيدرون.
خروج الملك إلى الكنيسة العظمى التي للعامة(=
رجّح بعض الباحثين أن المقصود بها دير إستديوس الذي بني في نحو منتصف القرن الخامس
الميلادي) يأمر بأن يفرش له في طريقه من باب القصر إلى الكنيسة التي للعامة
في وسط المدينة حصر ويطرح فوقها رياحين وخضرة، ويزيّن الحائط يمنة ويسرة من ممره
بالديباج، ثم يخرج بين يديه عشرة آلاف شيخ عليهم ديباج أحمر مسبلة شعورهم إلى
أكتافهم ليس عليهم برانس، ثم يجيء خلفهم عشرة آلاف شاب عليهم ديباج أبيض مشاة
كلهم، ثم يجيء عشرة آلاف غلام عليهم ديباج أخضر، ثم يجيء عشرة آلاف خادم عليهم
ديباج لون السماء في أيديهم الطبرزينات الملبسة ذهبا، ثم يجيء بعدهم خمسة آلاف خصي
أواسط عليهم ملحم خراساني أبيض بأيديهم صلبان ذهب، ثم يجيء بعدهم عشرة آلاف غلام
أتراك وخزر عليهم صدر مسيّرة بأيديهم رماح وأترسة ملبسة كلها ذهبا، ثم يجيء مائة
بطريق من الكبار عليهم ثياب الديباج الملّون بأيديهم مجامر من ذهب يبخرون بالعود القمارى،
ثم يجيء اثنا عشر بطريقا من رؤساء البطارقة عليهم ثياب منسوجة بالذهب في يد كل
واحد قضيب من ذهب، ثم يجيء مائة غلام عليهم ثياب مشهّرة مرصّعة باللؤلؤ يحملون
تابوتا من ذهب فيه كسوة الملك لصلاته، ثم يجيء رجل بين يديه يقال له الرحوم، يسكّت
الناس، ويقول: اسكتوا.
ثم يجيء رجل شيخ وبيده طشت وإبريق من ذهب
مرصّعان بالدرّ والياقوت، ثم يقبل الملك وعليه ثياب الأكسيمون، وهي ثياب من إبريسم
منسوج بالجوهر، وعلى رأسه تاج، وعليه خفّان أحدهما أسود والآخر أحمر، وخلفه الوزير،
وبيد الملك حقّ من ذهب فيه تراب، وهو راجل كلما مشى خطوتين يقول الوزير بلسانهم "من
رمونت إبيابطرا" وتفسيره "أذكروا الموت". فإذا قال له ذلك، وقف
الملك، وفتح الحقّ، ونظر إلى التراب، وقبّله، وبكى، فيسير كذلك حتى ينتهي إلى باب
الكنيسة، فيقدّم الرجل الطشت والإبريق فيغسل الملك يده، ويقول لوزيره "إنّي
بريء من دماء الناس كلهم؛ لأن الله لا يسألني عن دمائهم، وقد جعلتها في
رقبتك". ويخلع ثيابه التي عليه على وزيره، ويأخذ دواة بلاطس، وهي دواة الرجل
الذي تبرّأ من دم المسيح عليه السلام، ويجعلها في رقبة الوزير، ويقول له "دن
بالحق كما دان بلاطس بالحق". ويدور به على أسواق قسطنطينية، فينادون به "دن
بالحق كما قلّدك الملك أمور الناس".
ثم يأمر الملك بإدخال أساري المسلمين
الكنيسة، فينظرون إلى تلك الزينة والملك، فيصيحون "أطال الله بقاء الملك سنين
كثيرة" ثلاث مرات. ثم يؤمر فيخلع عليهم، ويساق خلفه ثلاث جنائب شهب عليها
سروج ذهب مرصّعة بالدرّ والياقوت، وجلال ديباج مرصّعة أيضا بمثل ذلك لا يركبها
فيدخلونها إلى الكنيسة، ولها بها لجام معلّق، يقولون إنه متى أخذت الدابّة اللّجام
في فمها ظفرنا ببلاد الإسلام، فتجيء الدابّة، فتشم اللجام، فتراجع إلى خلفها، ولم
تتقدّم إلى اللجام. ويقال إن هذه الدوابّ من نسل دابّة كانت لأوسطاط، ثم ينصرف
الملك من الكنيسة إلى قصره.
وفي غربي الكنيسة، على عشرة خطى، عمود يكون
طوله مقدار مائة ذراع، وهو مركّب عمود على عمود قد شبّك العمود بسلاسل من فضّة على
رأس العمود مائدة من رخام مربّعة أربع أذرع في أربع أذرع، وفوقها قبر معمول من
رخام فيه أسطليانس الذي بنى هذه الكنيسة، وفوق القبر تمثال فرس من صفر، وفوق الفرس
صورة أسطليانس وعلى رأسه تاج من ذهب مرصّع بالدرّ والياقوت(= ربما يقصد به تمثال الإمبراطور تيودوسيوس). وذكر أنه
تاج هذا الملك، ويده اليمنى قائمة كأنه يدعو الناس إلى قسطنطينية. وعلى الباب
الغربي من الكنيسة مجلس فيه أربعة وعشرون بابا صغارا، كل باب شبر في شبر معمولة
على ساعات الليل والنهار؛ فكلما انقضت ساعة انفتحت منها باب من ذات نفسها، وإذا
انغلقت انغلقت من ذات نفسها. وذكروا أنه اتخذ ذلك بلونيوس، وذُكر أن خيلهم معلّمة
لا تبرح من مكانها، ولا يحتاج إلى من يمسكها إذا نزل عنها القُوّاد، ولا تصيح ولا
تجلب، إنما يقال لها شطه فتقف كذلك إلى أن يخرج صاحبها من عند الملك.
قال(=هارون بن يحيى) فسألت بعض الناس عن
أمرها، فذهبوا بي إلى ثلاثة تماثيل من صفر على هيئة الفرس منصوبة على باب الملك
عملها بلونيوس الحكيم طلسما للدواب ألا تصهل ولا تشغب بعضها على بعض. وعلى باب
الملك أيضا أربع حيات معمولة من صفر أذنابها في أفواهها طلسما للحيات ألا تضر،
يقصد الصبيّ إلى حية فيأخذها فلا تضره. ومما يلي باب الذهب من المدينة قبّة قنطرة
معقودة في وسط سوق المدينة فيها صنمان واحد يشير كأنه يقول بيديه هاته، والآخر
يشير بيده كأنه يقول اصبر ساعة، وهما طلسمان فيؤتى بالأَسارَى فيوقفون بين هذين
الصنمين ينتظر بهم الفرج، ويذهب رسول يعلم الملك ذلك فإن رجع الرسول، وهم وقوف،
ذهب بهم إلى الحبس، وإن وافاهم الرسول، وقد جوّز بهم الصنمين، قتلوا ولم يبق منهم
على أحد. ولقسطنطينية قناة ماء يدخل إليها من بلد يقال له بلغر، يجري إليها هذا
النهر من مسيرة عشرين يوما، فينقسم إذا دخل المدينة ثلاثة أثلاث، فثلث يذهب إلى
دار الملك، وثلث يذهب إلى حبوس المسلمين، والثلث الثالث يذهب إلى حمامات البطارقة،
وسائر أهل المدينة فإنهم يشربون الماء الذي بين العذب والمالح. وأهل بلغر يحاربون
الروم، والروم تحاربهم".
من
الصعب التحقّق فيما إذا كان نص الرحلة منسوبا بكامله إلى هارون بن يحيى، ولكن
بالمقارنة مع الأدبيات الجغرافية التي ظهرت في تلك الحقبة، فلا يستبعد أن ابن رسته
قد تدخّل في صوغ النص بما يجعله محافظا على أسلوب الأدب الجغرافي الذي كان شائعا
في تلك الحقبة وما تلاها، وفيه تتكرر لوازم أسلوبية ومعنوية، وتظهر الأولى في
الولع بالأطوال والمقاييس، والنهل من ذخيرة لفظية وصفية تلامس مظاهر الأشياء ولا
تغوص فيها، فضلا عن التفاصيل الدقيقة التي تكشف مبالغة لا تخفى، ولا يتاح لأحد
وصفها بسهولة، منها مثلا معرفة لغة الرومان، أو فهم محاوراتهم فيها، وتتجلى
المعنوية في إسقاط تصورات إسلامية على كافة الأشكال، والتماثيل، والرسومات،
باعتبارها أصناما وطلاسم، فالسرد الوصفي يقدم مشهدا شبه ثابت للقصور، والكنائس،
والأسوار، والبوابات، والتماثيل، وحينما يظهر الملك في المشهد تتحرك العناصر
الأخرى، من حرس، وقسوس، ورهبان، وأتباع، وينتهي المشهد بطقس ديني كرنفالي.
والحال هذه، فإذا أخذنا في الحسبان الدقة في كل
ذلك، فيلزم أن تكون الفرصة قد أتيحت لهارون بن يحيى في أن يخوض التجارب التي ذكرها
كاملة، ومنها تجربة الأسر، وزيارة الكنيسة الكبرى، ومعرفة اللغة، والتجوال في
الطرقات، والتأمل في التفاصيل الخاصة بالأبعاد والأطوال والارتفاعات، وأعداد الحرس
والرهبان، ولا يتأتّى كل ذلك لأسير، إلا إذا كان قد تحرّر من قيوده، وتخطّى تلك
التجربة التي تحدّ من الحركة، فتمكّّن من الاقتراب إلى عالم المدينة بكل ما فيه
أحداث ووقائع، إذ بدأ بوصف أسوارها، وبواباتها، والتماثيل الرابضة في طرقاتها، وصف
عارف، ثم انتقل بأن حدّد مكان البلاط الملكي، فذكر بأنه جوار الكنيسة الكبرى. وشغل
بوصف بواباته، وحراسه من أجناس مختلفة كالسودان والخزر والترك، وهذا قاده إلى ذكر
سجون الأسرى، ومعتقلات السجناء، وكل منها يختص بجنس، ويرجّح أنه استفاد من تجربته
في الأسر، ولم ينس أن يعرّج على العاب الفروسية التي تقام في قلب المدينة، وانتهى
بوصف مسهب للكنيسة الكبرى فعرض للطقوس الدينية، والمآدب الإمبراطورية، ثم خروج
الملك إلى كنيسة العامة لرعاية المراسيم الدينية، والإشراف على الوعظ، والدعوة إلى
كبح الشهوات والملذات، والتصريح بالتبتل، ونشر المحبة. جاء كل ذلك بحديث يمزج بين
الوصف والسرد، فهو يقدّم المعلومة لكنه يدرجها في سياق له صلة بالمناسبة. وسرعان
ما تتقصّى عين الراوي التفاصيل الدقيقة كافة، فكأنه في موقع الحدث شاهدا مباشرا،
ينقل كل ما يرى لمستمعين في دار الإسلام، فلم يغب عنه أي شيء من تلك اللوحة
الشاملة. على أن أسلوب السرد كان رفيعا في تقصّياته، وتدقيقاته، وحرصه على إيراد
المشهد كاملا. ولعلّ فرادة هذا النص تكمن في ريادته المبكرة التي رسّخت طريقة
بارعة للوصف في أدب الرحلة.
أرست
هذه الرحلة المنسوبة إلى هارون بن يحيى تقاليد الوصف اللاحقة للقسطنطينية عند معظم
الجغرافيين العرب، وتتضح فيها رغبة معلنة لها صلة بإثارة العجب والدهشة، وتنضيد
المعلومات الجغرافية، ويظهر فيها انتماء رحّالتنا إلى (عالم القرون الوسطى) بكل
معنى الكلمة، إذ قدم من دار الإسلام حيث تتبوأ كلمة الله المكانة الأسمى، إلى دار
الكفر حيث الوثنية والضلال، فعجز عن فكّ الشفرات الدينية للإيقونات، والتماثيل
الخاصة بالقديسين، وبالبابوات، والأباطرة، والطقوس الدينية، ناهيك عن الأشكال
الفنية الجمالية المستلهمة من الحقبة الرومانية، بما فيها من تماثيل تنطوي على دلالات
رمزية، أو وقائع تاريخية، أو تخص شخصيات مرموقة من فرسان، وملوك، وأباطرة، وقديسين،
فهذه المنطقة مبهمة عند المسلم آنذاك؛ لأنه يجهل المرجعية الثقافية لذلك العالم
المتشابك برموزه، فيجمل القول بأنها أصنام وطلسمات. ولم يلبث أن كرّس هذا الأسلوب
عند سائر الجغرافيين فيما بعد حيثما دار الحديث عن المدن الكبرى في دار الحرب.
