. تجوال ابن بطوطة في أرجاء القسطنطينية.
صدق
ابن جُزي حينما وصف ابن بطوطة بأنه "السائح الثقة الصدوق، جوّاب الأرض،
ومخترق الأقاليم بالطول والعرض" وأنه "طاف الأرض معتبرا، وطوى الأمصار
مختبرا، وباحث فرق الأمم، وسَبر سِيَر العرب والعجم" وهو الذي "طوى
المشارق إلى مطلع بدرها بالمغرب". إنه ذلك الرّحول المسكون بهواجس التجوال،
الذي سابق الشمس في إشراقها، وهي تزيح عن العالم غطاء الظلام، فلا غرابة أن يُسمّى
"شمس الدين" وهو يستكشف بإصراره العجيب بلادا متعددة الأعراق والأديان
والثقافات، ثم يستعيد كل ذلك في رحلة باهرة، ومدوّنة كبيرة تؤرخ للرغبة الدائمة في
البحث والتعلّم.
ومعلوم أن ابن جزي هو مدوّن رحلة ابن بطوطة،
وفي ركن بأقصى غرب دار الإسلام جلس الرحّالة يعيد بناء العالم، بإسراف واضح في
السرد، ليحقق ذاته الأخرى التي لا شاهد على مغامرتها سواه، فبالسرد المتدافع،
والغزير، أكد هويته الشخصية والثقافية، وهو يطوف في مشارق الأرض، ويمخر ديار
الحرب، إذ لم يرُق له أن يمكث في مكان بعينه، وما التمس العذر لنفسه في الاستيطان
بأرض ما، ولطالما أثار الدهشة في إصراره على المضيّ في رحلاته أيَّا ما كانت النتائج،
وفي غمار كل ذلك شهد كثيرا من الفروقات الثقافية والدينية عند الأمم. وتعدّ رحلته
الأشمل بين الرحلات العربية، فقد غطت كثيرا من أرجاء العالم القديم برّا وبحرا.
ينبغي
أن يستأثر ابن بطوطة بالاهتمام الأول فيما يخص مرويّات الارتحال العربية، فقد
اخترق العوالم الثلاثة المعروفة في القرون الوسطى من دون أن يحجم عن طقوسه الدينية
والحياتية والفكرية والاجتماعية، وهي: دار الإسلام التي لمس تضاريسها كاملة من
الغرب إلى الشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، وتجوّل فيها ذهابا وعودة، ودار الحرب
التي بلغ أبعد نقطة فيها، وهي الشرق الأقصى للصين، وبلاد الخطا، بما في ذلك الهند
وكل البلاد المجاورة لها من الشرق، فضلا عن القسطنطينية حاضرة الإمبراطورية
البيزنطية، وفي البحر عبر سيلان، وجنوب شرقي آسيا بكاملها، ثم دار الصلح أو دار
العهد. وحيثما أقام كان يتوافق مع النسيج الثقافي العامّ، ولا يمكن القول بأن
التقاليد والأعراف الدينية قد منعته من الاندماج، أو حالت دون ذلك، فقد اتصف بقدرة
واضحة على التكيّف، وتخطّي الحبسة الثقافية-العقائدية المهيمنة آنذاك.
وكانت رحلاته أوسع من رحلات سلفه ماركو بولو
الذي سبقه إلى أصقاع الشرق بحوالي ستين سنة. وكما قال" بوكهارت" في وقت
مبكر من القرن التاسع عشر فإن ابن بطوطة أعظم رحّالة دوّن ملاحظاته عن العصر
الوسيط، وفضّله "كراتشكوفسكي" على "ماركو بولو" حينما قرر أن
إحساسه العميق بالبعد الحضاري للشرق كان أعمق بكثير ممّا لدى سلفه الطلياني. وفي
وقت كان فيه "ماركو بولو" قد شُغل بالمتاجرة التي استأثرت على ما سواها
باهتمامه، فإن ابن بطوطة شغل بكل شيء، وتعدّ رحلته، طبقا للمعايير السائدة في
ثقافة القرون الوسطى، رحلة في طلب العلم بالمعنى الواسع للكلمة، إذ تتبع الأولياء
والفقهاء حيثما كانوا، فما أن يطرق سمعه اسم أحدهم إلاّ ويغيّر مساره إليه من أجل
اللقاء والتبرك به، ومع أنه تزهّد، ووزع ثروته الكبيرة على الفقراء، لكنه بالإجمال
عاش حياة متجدّدة وحيوية، أنعشها بالزواج في كل بلد زاره تقريبا. وكان قادرا على
التعايش والتفاعل بصورة ندر مثيلها في ذلك الوقت.
لم
ينظر ابن بطوطة لكثير من الأمم باعتبارها كتلا صمّاءَ لا تاريخ لها، ولا هويات، إنما
كان الاختلاف ينعش مخيلته وذاكرته على حدّ سواء باستثناء الطقوس الوثنية التي ظل
يتحفّظ عليها. وكان حريصا على تتبع الأشياء حيثما كانت، وكثيرا ما كان ذلك يكلفه
جهدا ومشقّة، ويعرّضه لأخطار حقيقية. وبسبب كل هذا جاءت رحلته نصًّا ثقافيًّا متعدد
المستويات، فهي مدوّنة شديدة الثراء في كشف العالم القديم، ويمكن اعتبارها دون
تحفّظ أحد المصادر الكبرى عن أحوال العالم في ذلك العصر. ليس لأنها السجل الذي ضم
بين دفتيه صورة الأحداث، والأفكار، والصراعات، وتقاليد الشعوب، والعقائد الدينية
والدنيوية، فحسب، وإنما لأنها لم تأخذ مسارا واحدا في الوصف والحكم، فهي تضع معا
الأمور في تناقضاتها وتعارضاتها، وتقدح وتمدح، لكن استنادا إلى أدلة تتصل برؤية
ابن بطوطة، ومعتقده، والنسق الثقافي الذي يغذّي شخصيته، وأهم ما كان يثير سخطه
الطقوس الوثنية التي يلاحظها بحنق معلن في دار الحرب.
انطلق ابن بطوطة باتجاه القسطنطينية من جهة
البحر الأسود في العاشر من شوال(=734هـ الموافق14حزيران1334م) في صحبة السلطانة
بيلون، وهي الزوجة الرومية للسلطان محمد أزوبك خان، وهو ملك مغولي من القبيلة
الذهبية توفي في عام 1342م. كانت بيلون تروم زيارة أهلها لوضع مولودها بينهم، وقد
حافظت سرا على نصرانيتها، وخططت للبقاء في القسطنطينية، فلم تعد إلى زوجها عند
انتهاء الزيارة.
رافق
ابن بطوطة قافلة ضخمة تمثّل موكب السلطانة المتجه إلى القسطنطينية "كان عسكر
الخاتون نحو خمسمائة فارس منهم خدامها من المماليك والروم نحو مائتين، والباقون من
الترك. وكان معها من الجواري نحو مائتين، وأكثرهن روميات. وكان لها من العربات نحو
أربعمائة عربة، ونحو ألفي فرس لجرّها وللركوب ونحو ثلاثمائة من البقر ومائتين من
الجمال لجرها، وكان معها من الفتيان الروميين عشرة، ومن الهنديين مثلهم. وقائدهم
الأكبر يسمى بسنبل الهندي، وقائد الروميين يسمى بميخائيل. ويقول له الأتراك لؤلؤ،
وهو من الشجعان الكبار. وتركت جواريها وأثقالها بمحلة السلطان إذ كانت قد توجهت
برسم الزيارة ووضع الحمل".
وبعد
رحلة طويلة حرص ابن بطوطة على وصفها بالتفصيل، وصلوا جميعا "سرداق" وهي
مدينة "سولديا" الحالية في جزيرة القرم، وكانت "على ساحل البحر
ومرساها من أعظم المراسي وأحسنها". ثم توجهوا مدينة "بابا سلطوق" وكان
"بينها وبين أول عمالة الروم ثمانية عشر يوما في برية غير معمورة منها ثمانية
أيام لا ماء بها، يتزود لها الماء ويحمل في الروايا والقرب على العربات". وفي
الطريق كانت السلطانة تكرم ابن بطوطة "متى أتيتها تبعث إلي بالفرسين والثلاثة
وبالغنم فكنت أترك الخيل لا أذبحها، وكان من معي من الغلمان والخدم يأكلون مع
أصحابنا الأتراك، فاجتمع لي نحو خمسين فرسا وأمرت إلي الخاتون بخمسة عشر فرسا".
ولم يلبث الركب أن دخل البرية في منتصف ذي
القعدة(25 يوليو/ تموز 1334) فـ"كان سيرنا من يوم فارقنا السلطان إلى أول
البرية تسعة وعشرين يوما وإقامتنا خمسة ورحلنا من هذه البرية ثمانية عشر يوما مضحي
ومعشي وما رأينا إلا خيرا والحمد لله. ثم وصلنا بعد ذلك إلى حصن مهتولي، وهو أول
عمالة الروم. وبينه والقسطنطينية مسيرة اثنين وعشرين يوما منها ستة عشر يوما إلى الخليج
وستة منه إلى القسطنطينية". وعاد بعض المرافقين في هذه المرحلة من الطريق،
وبقي مع السلطانة ناسها الخلّص، فكان" يؤتى إليها بالخمور في الضيافة فتشربها
وبالخنازير، وأهملت الصلاة، وتغيرت البواطن لدخولنا في بلاد الكفر". ثم
استقبلت القافلة من قبل الروم استقبالا حافلا من عليّة القوم يتقدمه أخوها وشقيقها
في خمسة آلاف فارس شاكين السلاح. وبتقدّم القافلة كان يتضاعف عدد المستقبلين
"وصل أخو الخاتون وليّ العهد في ترتيب عظيم وعسكر ضخم من عشرة آلاف مدرع وعلى
رأسه تاج وعن يمينه نحو عشرين من أبناء الملوك وعن يساره مثلهم، وقد رتب فرسانه
على ترتيب أخيه سواء إلا أن الحفل أعظم والجمع أكثر، وتلاقت معه أخته في مثل زيها
الأول وترجلا جميعا، وأوتي بخباء حرير فدخلت فيه ولا أعلم كيفية سلامها".
وتوقف الركب يرتاح على مسافة عشرة أميال من
القسطنطينية" فلما كان الغد خرج أهلها من رجال ونساء وصبيان ركبانا ومشاة في
أحسن زي وأجمل لباس، وضربت عند الصبح الأطبال والأبواق والأنفار وركبت العساكر.
وخرج السلطان وزوجته أم هذه الخاتون وأرباب هذه الدولة والخواص وعلى رأس الملك
رواق يحمله جملة من الفرسان ورجال بأيديهم عصى طوال في أعلى كل عصا شبه كرة من جلد
يرفعون بها الورق، وفي وسط الرواق مثل القبة يرفعها الفرسان بالعصى، ولما أقبل السلطان
اختلطت العساكر وكثر العجاج".
ويمضي ابن بطوطة في وصفه الاستقصائي، وقد لاحت
المدينة أمامه" كان دخولنا عند الزوال أو بعده إلى القسطنطينية العظمى(=الأسبوع
الثاني من سبتمبر/أيلول 1334م) وقد ضربوا نواقيصها حتى ارتجّت الآفاق لاختلاف
أصواتها، ولما وصلنا الباب الأول من أبواب قصر الملك وجدنا به مائة رجل معهم قائد لهم
فوق دكانة، وسمعتهم يقولون "سراكنوا سراكنوا" ومعناها المسلمون(=وتطلق
على العرب أيضا، والروم تسمي العرب سارقنوس أي عبيد سارة زوجة إبراهيم) ومنعونا من
الدخول. فقال لهم أصحاب الخاتون "إنهم من جهتنا" فقالوا "لا يدخلون
إلا بإذن" فأقمنا بالباب. وذهب بعض أصحاب الخاتون فبعث من أعلمها بذلك، وهي
بين يدي والدها، فذكرت له شأننا فأمر بدخولنا، وعيّن لنا دارا بمقربة من دار
الخاتون، وكتب لنا أمرا بأن لا نُعترض حيث نذهب من المدينة، ونودي بذلك في
الأسواق، وأقمنا بالدار ثلاثا، فبعث إلينا الضيافة من الدقيق والخبز والغلة
والدجاج والسمن والفاكهة والحوت والدراهم والفرش.
وفي اليوم الرابع دخلنا على السلطان، واسمه
تكفور بن السلطان(= كان الحكم خلال هذه الفترة لأندرونيكوس الثالث
باليولوج الذي حكم بين الأعوام 1328-1341م)
وأبوه السلطان جرجيس بقيد الحياة(=لا يعرف إمبراطور بهذا الاسم طوال الفترة التي
حكمت فيها أسرة باليولوج من عام 1261 لغاية عام 1453م حيث سقطت القسطنطينية بيد
العثمانيين) لكنه تزهّد وترهّب وانقطع للعبادة في الكنائس وترك الملك لولده. وفي
اليوم الرابع من وصولنا إلى القسطنطينية بعثت إليّ الخاتون الفتى سنبل الهندي،
فأخذ بيدي وأدخلني إلى القصر، فجزنا أربعة أبواب في كل باب سقائف بها رجال
وأسلحتهم وقائدهم على دكانة مفروشة، فلما وصلنا إلى الباب الخامس تركني الفتى
سنبل، ودخل ثم أتى ومعه أربعة من الفتيان الروميين، ففتشوني لئلا يكون معي سكين،
وقال لي القائد: تلك عادة لهم لا بد من تفتيش كل من يدخل على الملك من خاص أو عام
غريب أو بلدي، وكذلك الفعل بأرض الهند، ثم لما فتشوني قام الموكل بالباب، فأخذ
بيدي وفتح الباب وأحاط بي أربعة من الرجال أمسك اثنان بكمي واثنان من ورائي،
فدخلوا بي إلى مشور كبير حيطانه بالفسيفساء قد نقش فيها صور المخلوقات من
الحيوانات والجماد في وسطه ماء ومن جهتها الأشجار، والناس واقفون يمينا ويسارا
سكوتا لا يتكلم أحد منهم. وفي وسط المشور ثلاثة رجال وقوف، أسلمني أولئك الأربعة
إليهم، فأمسكوا بثيابي كما فعل الآخرون، وأشار إليهم رجل، فتقدموا بي، وكان أحدهم
يهوديا فقال لي بالعربي "لا تخف فهكذا عادتهم أن يفعلوا بالوارد، وأنا
الترجمان، وأصلي من بلاد الشام". فسألته كيف أسلّم فقال "قل السلام
عليكم".
ثم وصلت إلى قبة عظيمة والسلطان على سريره
وزوجته أم هذه الخاتون(=يقصد بيلون) بين يديه، وأسفل السرير الخاتون وإخوتها، وعن
يمينه ستة رجال، وعن يساره أربعة، وكلهم بالسلاح فأشار إلي قبل السلام والوصول
إليه بالجلوس هنيهة ليسكن روعي، ففعلت ذلك ثم وصلت إليه فسلّمت عليه، وأشار أن
أجلس فلم أفعل، وسألني عن بيت المقدس والصخرة المقدسة، وعن القيامة(=كنيسة القيامة
في القدس)وعن مهد عيسى وعن بيت لحم وعن مدينة الخليل عليه السلام، ثم عن دمشق ومصر
والعراق وبلاد الروم، فأجبته عن ذلك كله، واليهودي يترجم بيني وبينه. فأعجبه كلامي
وقال لأولاده: أكرموا هذا الرجل وأمّنوه. ثم خلع عليّ خلعة، وأمر لي بفرس ملجم،
ومظلّة من التي يجعله الملك فوق رأسه وهي علامة الأمان، وطلبت منه أن يعيّن من
يركب معي بالمدينة في كل يوم حتى أشاهد عجائبها وغرائبها، وأذكرها في بلادي فعيّن
لي ذلك.
ومن
العوائد عندهم أن الذي يلبس خلعة الملك ويركب فرسه يطاف به في أسواق المدينة
بالأبواق والأنفار والأطبال ليراه الناس، وأكثر ما يفعل ذلك بالأتراك الذين يأتون
من بلاد السلطان أوزبك لئلا يؤذون، فطافوا بي في الأسواق. والمدينة هي متناهية في
الكبر منقسمة بقسمين بينهما نهر عظيم المدّ والجزر على شكل وادي سلا من بلاد
المغرب، وكانت عليه فيما تقدم قنطرة مبنيّة فخُرّبت، وهو الآن يعبر في القوارب،
واسم هذا النهر أَبْسُمي (=المقصود هنا خليج القرن الذهبي) وأحد القسمين من
المدينة يسمى اصطنبول، وهو بالعدوة الشرقية من النهر وفيه سكنى السلطان وأرباب
دولته وسائر الناس وأسواقه وشوارعه مفروشة بالصفاح متسعة، وأهل كل صناعة على حدة
لا يشاركهم سواهم، وعلى كل سوق أبواب تسد عليه بالليل وأكثر الصناع والباعة بها
نساء.
والمدينة في سفح جبل داخل في البحر نحو تسعة
أميال وعرضه مثل ذلك أو أكثر، وفي أعلاه قلعة صغيرة. وقصر السلطان والسور يحيط
بهذا الجبل، وهو مانع لا سبيل لأحد إليه من جهة البحر وفيه نحو ثلاث عشرة قرية
عامرة، والكنيسة العظمى هي في وسط هذا القسم من المدينة، وأمام القسم الثاني منها
فيسمى الغَلَطَه، وهو بالعدوة الغربية من النهر شبيه برباط الفتح في قربة من
النهر، وهذا القسم خاص بنصارى الإفرنج يسكنونه وهم أصناف فمنهم الجنويون والبنادقة
وأهل رومية وأهل إفرانسا، وحكمهم إلى ملك القسطنطينية يقدم عليه منهم من يرتضونه
ويسمونه القمص، وعليهم وظيفة في كل عام لملك القسطنطينية وربما استعصوا عليه
فيحاربهم حتى يصلح بينهم البابا، وجميعهم أهل تجارة. ومرساهم من أعظم المراسي رأيت
به نحو مائة جفن من القراقر وسواها من الكبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرة وأسواق
هذا القسم حسنة إلا أن الأقذار غالبة عليها ويشقها نهر صغير قذر نجس، وكنائسهم لا
خير فيها.
والكنيسة
العظمى إنما نذكر خارجها وأما داخلها فلم أشاهده، وهي تسمى عندهم أيا صوفيا(=Hagia Sophia وهي كنيسة كبيرة اكتمل بناؤها في عهد الإمبراطور جستنيان في عام 537 م ، وكانت قد أقيمت على أنقاض كنيسة احترقت بناها الإمبراطور
قسطنطين) ويذكر أنها من بناء آصف بن برخياء وهو ابن خالة سليمان عليه السلام، وهي
من أعظم كنائس الروم، وعليها سور يطيف بها فكأنها مدينة وأبوابها ثلاثة عشر بابا،
ولها حرم هو نحو ميل عليه باب كبيرة ولا يمنع أحد من دخوله، وقد دخلته مع والد
الملك الذي يقع ذكره، وهو شبه مشهور مسطح بالرخام وتشقه ساقية تخرج من الكنيسة لها
حائطان مرتفعان نحو ذراع مصنوعان بالرخام المجزع المنقوش بأحسن صنعة والأشجار
منظمة عن جهتي الساقية.
ومن باب الكنيسة إلى باب هذا المشور معرش من
الخشب مرتفع عليه دوالي العنب، وفي أسفله الياسمين والرياحين وخارج باب هذا المشور
قبة خشب كبيرة فيها طبلات خشب يجلس عليها خدام ذلك الباب، وعن يمين القبة مساطب
وحوانيت أكثرها من الخشب يجلس بها قضاتهم وكتاب دواوينهم، وفي وسط تلك الحوانيت
قبة خشب يصعد إليها على درج خشب وفيها كرسي كبير مطبق بالملف يجلس فوقه قاضيهم..وعن
يسار القبة التي على باب هذا المشور سوق العطارين والساقية التي ذكرناها تنقسم
قسمين: أحدهما يمر بسوق العطارين، والآخر يمر بالسوق حيث القضاة والكتاب.
وعلى باب الكنيسة سقائف يجلس بها خدامها
الذين يقيمون طرقها ويوقدون سرجها ويغلقون أبوابها ولا يدعون أحدا بداخلها حتى
يسجد للصليب الأعظم عندهم الذي يزعمون أنه بقية من الخشبة التي صلب عليها شبيه عيسى
عليه السلام، وهو على باب الكنيسة مجعول في جعبة ذهب طولها نحو عشرة أذرع، وقد
عرضوا عليها جعبة ذهب مثلها حتى صارت صليبا. وهذا الباب مصفح بصفائح الفضة والذهب
وحلقتاه من الذهب الخالص. وذُكر لي أن عدد من بهذه الكنيسة من الرهبان والقسيسين
ينتهي إلى آلاف، وأن بعضهم من ذرية الحواريين، وأن بداخلها كنيسة مختصة بالنساء
فيها من الأبكار المنقطعات للعبادة أزيد من ألف، وأما القواعد من النساء فأكثر من
ذلك كله.
ومن
عادة الملك وأرباب دولته وسائر الناس أن يأتوا كل يوم صباحا إلى زيارة هذه
الكنيسة، ويأتي إليها البابا مرة في السنة. وإذا كان على مسيرة أربع من البلد يخرج
الملك إلى لقائه ويترجل له، وعند دخول المدينة يمشي بين يديه على قدميه ويأتيه
صباحا ومساء للسلام طول مقامه بالقسطنطينية حتى ينصرف، والمانستار(=الدير)على مثل
لفظ المارستان إلا أن نونه متقدمة وراءه متأخرة وهو عندهم شبه الزاوية عند
المسلمين، وهذه المانستارات بها كثيرة، فمنها المانستار عمّره الملك جرجيس والد
ملك القسطنطينية..وهو بخارج اصطنبول مقابل الغَلَطَه، ومنها مانستاران خارج
الكنيسة العظمى عن يمين الداخل إليها، وهما في داخل بستان يشقهما نهر ماء، وأحدهما
للرجال والآخر للنساء، وفي كل واحد منها كنيسة، وتدور بهما البيوت للمتعبدين
والمتعبدات، وقد حبس على كل واحد منهما أحباس لكسوة المتعبدين ونفقتهم بناهما أحد
الملوك، ومنها مانستاران عن يسار الداخل إلى الكنيسة العظمى على مثل هذين الآخرين،
ويطيف بها بيوت، وأحدهما يسكنه العميان والثاني يسكنه الشيوخ الذين لا يستطيعون
الخدمة ممن بلغ الستين أو نحوها، ولكل واحد منهم كسوته ونفقته من أوقاف معينة
لذلك. وفي داخل كل مانستار منها دويرة لتعبّد الملك الذي بناه وأكثر هؤلاء الملوك
إذا بلغ الستين أو السبعين بنى مانستار، ولبس المسوح وهي ثياب الشعر، وقلّد ولده
المُلك واشتغل بالعبادة حتى يموت. وهم يحتفلون في بناء هذه المانستارات ويعملونها
بالرخام والفسيفساء، وهي كثيرة بهذه المدينة.
ودخلت مع الرومي الذي عيّنه الملك للركوب معي
إلى مانستار يشقه نهر، وفيه كنيسة فيها نحو خمسمائة بكر(=راهبات) عليهن المسوح
ورؤوسهن محلوقة فيها قلانيس اللبد، ولهن جمال فائق، وعليهن أثر العبادة، وقد قعد
صبي على منبر يقرأ لهن الإنجيل بصوت لم أسمع قط أحسن منه وحوله ثمانية من الصبيان
على منابر ومعهم قسيسهم، فلما قرأ هذا الصبي قرأ صبي آخر، وقال لي الرومي "إن
هؤلاء البنات من بنات الملوك، وهبن أنفسهن لخدمة هذه الكنيسة، وكذلك الصبيان
القراء ولهم كنيسة أخرى خارج تلك الكنيسة". ودخلت أيضا إلى كنيسة في بستان
فوجدنا بها نحو خمسمائة بكر أو أزيد وصبي يقرأ لهن على منبر وجماعة صبيان معه على
منابر مثل الأولين، فقال لي الرومي "هؤلاء بنات الوزراء والأمراء يتعبدون
بهذه الكنيسة". ودخلت إلى كنائس فيها أبكار من وجوه أهل البلد، وإلى كنائس
فيها العجائز والقواعد من النساء، وإلى كنائس فيها الرهبان يكون في الكنيسة منها
مائة رجل أو أكثر أو أقل وأكثر هذه المدينة رهبان ومتعبدون وقسيسون وكنائسها لا
تحصى كثرة، وأهل المدينة من جندي وغيره صغير وكبير يجعلون على رؤوسهم المظلات
الكبار شتاء وصيفا، والنساء لهن عمائم كبار.
والملك المترهب جرجيس ولّى المُلك لابنه،
وانقطع للعبادة، وبنى مانستارا كما ذكرناه خارج المدينة على ساحلها. وكنت يوما مع
الرومي المعين للركوب معي فإذا بهذا الملك ماش على قدميه، وعليه المسوح وعلى رأسه
قلنسوة لبد، وله لحية بيضاء طويلة ووجهه حسن عليه أثر العبادة، وخلفه وأمامه جماعة
من الرهبان وبيده عكاز، وفي عنقه سبحة، فلما رآه الرومي نزل وقال لي "انزل
فهذا والد الملك". فلما سلّم عليه الرومي سأله عني، ثم وقف وبعث لي فجئت
إليه، فأخذ بيدي، وقال لذلك الرومي، وكان يعرف اللسان العربي "قل لهذا
السراكنوا، يعني المسلم، أنا أصافح اليد التي دخلت بيت المقدس، والرِجل التي مشت
داخل الصخرة، والكنيسة العظمى التي تسمّى قيامة، وبيت لحم، وجعل يده على قدمي ومسح
بها وجهه، فعجبت من اعتقادهم فيمن دخل تلك المواضع من غير ملتهم، ثم أخذ بيدي
ومشيت معه، فسألني عن بيت المقدس ومن فيه من النصارى وأطال السؤال، ودخلت معه إلى
حرم الكنيسة الذي وصفناه آنفا، ولما قارب الباب الأعظم خرجت جماعة من القسيسين
والرهبان للسلام عليه، وهو من كبارهم في الرهبانية، ولما رآهم أرسل يدي، فقلت له "أريد
الدخول معك إلى الكنيسة". فقال للترجمان قل له "لا بد لداخلها من السجود
للصليب الأعظم، فإن هذا مما سنته الأوائل، ولا يمكن خلافه". فتركته، ودخل
وحده ولم أراه بعدها.
ولما
فارقت الملك المترهب المذكور دخلت سوق الكتّاب، فرآني القاضي فبعث إلي أحد أعوانه،
فسأل الرومي الذي معي فقال له: إنه من طلبة المسلمين، فلما عاد إليه أخبره بذلك
فبعث إلى أحد أعوانه، وهم يسمون القاضي النجشي كفالي، فقال لي "النجشي كفالي
يدعوك" فصعدت إلى القبة التي تقدّم ذكرها، فرأيت شيخا حسن الوجه واللمة عليه
لباس الرهبان وهو الملف الأسود وبين يديه نحو عشرة من الكتاب يكتبون، فقام إلي
وقام أصحابه وقال "أنت ضيف الملك، ويجب علينا إكرامك". وسألني عن بيت
المقدس والشام ومصر، وأطال الكلام وكثر عليه الازدحام، وقال لي "لا بد لك أن
تأتي إلى داري فأضيفك". فانصرفت عنه، ولم ألقه بعد.
ولمّا ظهر لمن كان في صحبة الخاتون من الأتراك
أنها على دين أبيها، وراغبة في المقام معه، طلبوا منها الإذن في العودة إلى
بلادهم، فأذنت لهم وأعطتهم عطاء جزيلا، وبعثت معهم من يوصلهم إلى بلادهم أمير يسمى
ساروجة الصغير في خمسمائة فارس، وبعثت إلي فأعطتني ثلاثمائة دينار من ذهبهم يسمونه
البربرة، وليس بالطيب، وألفي درهم بندقية، وشقة ملف من عمل البنات، وهو أجود
أنواعه، وعشرة أثواب من حرير وكتان وصوف وفرسين، وذلك من عطاء أبيها وأوصت بي
ساروجة. وودعتها، وانصرفت. وكانت مدة مقامي عندهم شهرا وستة أيام"(4).
تبدو انطباعات ابن بطوطة، وأوصافه الدقيقة،
معهودة إذا ما قورنت بحديثه المسهب عن الحواضر التي زارها في شتى أرجاء العالم
القديم، فهو بارع في رصد المظاهر الدينية والاجتماعية، وكشف الخلفيات التاريخية
للأحداث، ولكن رحلته إلى القسطنطينية تتنزل في المركز من الرحلات العربية إلى هذه
المدينة، فما من رحالة آخر ألمّ بتفاصيل الحياة فيها كما ألمّ ابن بطوطة. من
الصحيح أنه يلتقي مع هارون بن يحيى في الأطر العامة لجغرافية المدينة، وتقسيماتها
العامة، كالقصر الملكي والكنيسة والخليج، لكن ابن بطوطة يتابع بعين ثاقبة التفاصيل
المثيرة، وهي قدرة اكتسبها وهو يقطع البلدان مدفوعا بفضول المعرفة، ولم يلبث أن
تطور ذلك الذكاء، ودقة الملاحظة، فجاءت رحلاته نموذجا رفيعا لكل ما يصبو إليه
الرحالة فيما بعد.
لم
تمض سوى أيام أربعة عليه في القسطنطينية إلا ونجح ابن بطوطة في مقابلة الملك
بتوجيه من السلطانة بيلون التي رافقها، ولم يتشكّ، حينما جرى تفتيشه قبل الدخول
إلى الملك، فتلك تقاليد يشمل بها كل من يروم زيارته، فقَبلها بلا تذمر. ويلاحظ أنه
استخدم الوصف الشائع آنذاك "تكفور" للملوك البيزنطيين، ويراد به الوصف
وليس التسمية، وكان من قبل يطلق على ملوك بلاد الأرمن، ثم ملوك بيزنطة دلالة على
الملوك المتوّجين، لكنه كان يطلق أيضا على الأمراء الحاكمين. والمفاجأة أن يكون
الترجمان يهوديا، وهذه الوساطة اليهودية بين مسلم ونصراني لها أكثر من دلالة، فقد
كان اليهودي عارفا بتراث الاثنين، وتمكّن من أداء المهمة بأفضل وجه، لكن المفاجأة
الأخرى أن اللقاء تم في وسط حميمي عائلي، فقد قابله الملك وهو بين أفراد أسرته،
ودار الحديث حول بيت المقدس، وقبة الصخرة، ثم كنيسة القيامة، واستفسر الملك عن مهد
المسيح في بيت لحم، وتطور الحديث فشمل دمشق ومصر والعراق، وتجاوز ذلك إلى بلاد
الروم، وقد أعجب الملك بنباهة محدّثه، وسعة معجمه المعرفي، وتمكّنه من علوم عصره.
لم يكن ملك القسطنطينية استثناء، فحيثما حلّ
ابن بطوطة كان مثار إعجاب الملوك والأمراء. وسرعان ما ظهر أثر ذلك، فقد أكرمه
الملك، وأمر بتأمين حاجاته، وبسط حمايته عليه، ولم يتردّد الرحالة الضليع في
استثمار الفرصة، فقد التمس من الملك أن يخصص له دليلا يطوف به الحاضرة البيزنطية
ليتعرف إليها جيدا، ويحدّث بها قومه حينما يعود إلى بلاد العرب. ولم يكن كرم الملك
بأقل ما طلب الرحّالة فقد خلع عليه لباسه، وأركبه فرسه، وراح ابن بطوطة يطوف في
أسواق القسطنطينية بالأبواق والأطبال ليعرف الناس بأنه ضيف الملك. فطاف في المدينة
بحماية ملكها.
لم تتوفر هذه الفرصة لهارون بن يحيى، ومع
ذلك، فما أن ينتهي ابن بطوطة من وصف هذه السلسلة من الصدف الرائعة إلا يوازي نصه
نص سلفه، فيتطرق إلى قسمي المدينة الرئيسين "وبينهما نهم عظيم المد والجزر
على شكل وادي سلا في بلاد المغرب" يقصد بذلك الخليج الذي يكاد يشطر المدينة
إلى شطرين، وهو الذي سوف يعرف بـ"القرن الذهبي" وسوف يطابق ما قاله
هارون قبله بنحو خمسة قرون من أن القسم الأول من المدينة، واسمه"
اصطنبول" يسكنه الملك وحاشيته، وفيه أسواق مُعلّمة بحسب المهن والحِرف،
ومحميّة بأبواب، وأغلب العاملين فيها من النساء. وفي هذا القسم توجد الكنيسة
الكبرى، وسماها بالاسم: آيا صوفيا. أما القسم الآخر، ويعرف بـ" غَلَطَه"
فهو في العدوة الغربية، يكاد يقتصر على نصارى الإفرنج القادمين من جنوه،
والبندقية، وروما، وفرنسا، ويتولى أمرهم رجل دين، بأمر من الملك، وحينما يحدث أن
يتمرّدوا على سلطة الملك، فإنهم يعاجلهم بالحرب، فيتدخل" البابا" فيصلح
بينهم، وهم في عمومهم تجار، ولديهم مرسى لم ير ابن بطوطة أكبر منه.
واستأثرت
منه الكنيسة الكبرى، آيا صوفيا، باهتمام واضح، كما استأثرت باهتمام هارون قبل نحو
خمسة قرون، ولكنه لم يكن بحظّ سلفه، فقد حُظر عليه التجوال فيها، فذلك مقصور على
من يسجد للصليب، فيما ظل ابن بطوطة متمسّكا بعقيدته حيثما حلّ وارتحل، لكنه تجول
في فنائها الخارجي، وصرّح بأنها أعظم الكنائس، وفيها الصليب الخشبي الذي صلب عليه
السيد المسيح، وفيها، كما روي له، يتعبّد آلاف الرهبان بعضهم من ذرية الحواريين،
وفيها، إلى ذلك كنيسة خاصة بالراهبات الأبكار اللواتي يزيد عددهن على ألف. وكانت
هذه مقدمة للتميز بين الإمبراطور والبابا، فالأخير هو صاحب المقام الرفيع، وهو لا
يزور" آيا صوفيا" إلا مرة واحدة في السنة، أما الإمبراطور فيمر بها كل
صباح محاطا بحاشيته، ولكن لأهل المدينة أديرة أخرى كثيرة يمارسون العبادة فيها،
وقد تقصّاها ابن بطوطة، ولم يظهر تسفيها للطقوس الدينية النصرانية، إنما نظر إليها
بتقدير واضح، مشيدا بانقطاع العبّاد إلى عبادتهم بخشوع ورهبة.
ثم لفت
انتباهه دير خاص بالراهبات حليقات الشعر "لهنّ جمال فائق وعليهن أثر
العبادة" وجميعهن من بنات الملوك، وقد وهبن أنفسهنّ لخدمة الله، يقرأ عليهن الإنجيل
صبي حسن الصوت، ولاحظ أيضا بأن لبنات الوزراء، والأمراء، ووجوه البلد، أديرة
مماثلة. وقد قادته خطواته في طرقات المدينة في يوم إلى لقاء الملك الأب المترهّب "جرجيس"
ماشيا على قدميه، وقد رآه بهيئة الفقير المتعبّد، وحينما عرف أصل ابن بطوطة شرع
الملك يصافحه، ويتبرّك به كونه قد زار بيت المقدس، بل إنه رافقه في تطوافه في
المدينة، لكنه امتنع عن إدخاله الكنيسة الكبرى معه، فهو ليس من عبّاد الصليب. وتأتي
المفاجأة في نهاية الرحلة، فقد بلغه ارتداد السلطانة بيلون عن الإسلام، وعودتها
إلى ديانتها النصرانية، وقرارها البقاء في مسقط رأسها وترك زوجها السلطان المغولي،
ولهذا استأذن منها أتباعها العودة إلى بلادهم، فأذنت لهم، وأكرمتهم، وشمل هذا
الكرم ابن بطوطة الذي غادر المدينة معهم بعد أن أمضى في القسطنطينية شهرا وستة
أيام.
